وجهات نظر

هل بدأ العدّ التنازلي لمواجهة كبرى مع إيران؟ تحركات عسكرية، رسائل ردع، وسيناريوهات مفتوحة على المجهول…بقلم / أحمد العالم

تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد غير مسبوق لمستوى التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

مؤشرات عديدة، سياسية وعسكرية وإعلامية، توحي بأن الصراع لم يعد محصورًا في إطار التهديدات المتبادلة، بل دخل مرحلة “الاستعداد المفتوح” لكل الاحتمالات، بما فيها المواجهة العسكرية المباشرة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو: هل نحن أمام مجرد ضغط سياسي محسوب، أم أن المنطقة دخلت فعليًا العدّ التنازلي نحو ضربة عسكرية ضد إيران؟

أولًا: رسائل القوة قبل الضربة… مناورات أم تمهيد؟

التاريخ العسكري والسياسي يؤكد أن الحروب الكبرى نادرًا ما تبدأ فجأة. غالبًا ما تسبقها مرحلة طويلة من إظهار القوة، إعادة التموضع، وتسريب الرسائل غير المباشرة. ما تشهده المنطقة حاليًا يندرج بوضوح في هذا السياق.

التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة، وتكثيف الوجود الجوي والبحري، ليست مجرد إجراءات روتينية.

هي رسائل ردع موجهة إلى طهران، لكنها في الوقت ذاته ترفع منسوب الجاهزية لعمل عسكري محتمل، سواء كان محدودًا أو واسع النطاق. هذه التحركات تمنح صناع القرار في واشنطن هامش مناورة: القدرة على الضغط دون إعلان حرب، والاستعداد للضربة دون اتخاذ القرار النهائي.

في المقابل، تدرك إيران أن أي قراءة خاطئة لهذه الرسائل قد تكون مكلفة، ولذلك تحاول السير على حافة الهاوية دون السقوط فيها.

ثانيًا: إسرائيل… عامل التسريع في معادلة الصدام

لا يمكن فصل التصعيد الحالي عن الدور الإسرائيلي. فإسرائيل تنظر إلى إيران بوصفها التهديد الاستراتيجي الأول لأمنها القومي، وترى أن الزمن لا يعمل لصالحها كلما اقتربت طهران من امتلاك قدرات نووية متقدمة.

الاجتماعات الأمنية المكثفة داخل إسرائيل، والتصعيد الإعلامي المتزامن معها، يوحيان بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحاول تهيئة الداخل والخارج لاحتمال المواجهة.

حتى في غياب قرار معلن بالحرب، فإن تل أبيب تسعى لدفع الولايات المتحدة نحو موقف أكثر حدة، أو على الأقل ضمان غطاء سياسي وعسكري في حال قررت التحرك منفردة.

إسرائيل تدرك أن أي ضربة لإيران لن تكون بلا ثمن، لكنها تراهن على أن كلفة الانتظار قد تكون أعلى من كلفة المغامرة.

ثالثًا: إيران بين التحدي والحذر… سياسة حافة الهاوية

على الجانب الإيراني، يظهر سلوك مزدوج: تصعيد في الخطاب، وحذر في الفعل. طهران تلوّح بالرد القاسي وتوسيع دائرة المواجهة في حال تعرضها لهجوم، لكنها في الوقت ذاته تتجنب اتخاذ خطوات قد تمنح خصومها ذريعة مباشرة للضربة.

إيران تعلم أن مواجهة عسكرية مفتوحة قد تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وتفتح جبهات داخلية في ظل وضع اقتصادي واجتماعي هش. لذلك تعتمد استراتيجية الصبر الاستراتيجي، مع الإبقاء على أوراق ضغط إقليمية يمكن تفعيلها عند الضرورة.

الحديث المتداول عن خطط طوارئ داخلية يعكس إدراكًا إيرانيًا بأن السيناريو الأسوأ لم يعد مستبعدًا، وأن الحفاظ على تماسك النظام بات جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن القومي.

رابعًا: الأيام المقبلة… ماذا ينتظر إيران؟

استنادًا إلى المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة لما قد تواجهه إيران في المدى القريب:

1. تصعيد محسوب دون حرب شاملة

وهو السيناريو الأرجح على المدى القصير، حيث تستمر الضغوط العسكرية والإعلامية، مع عمليات أمنية غير معلنة أو ضربات محدودة عبر أطراف غير مباشرة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

2. ضربة عسكرية محدودة ومركزة

قد تستهدف منشآت أو قدرات نوعية، مع الحرص على احتواء الرد الإيراني. هذا السيناريو يحمل مخاطر التوسع، لكنه يبقى خيارًا مطروحًا إذا فشلت أدوات الردع الأخرى.

3. تهدئة مؤقتة عبر قنوات خلفية

في حال أدركت الأطراف أن كلفة الصدام مرتفعة، قد نشهد عودة إلى الدبلوماسية المشروطة، دون حلول جذرية، وإنما بهدف كسب الوقت وإعادة ضبط الإيقاع.

إيران في مفترق طرق استراتيجي

إيران اليوم تقف أمام اختبار بالغ الدقة. قدرتها على المناورة، وقراءة نوايا خصومها، وضبط ردود فعلها، ستكون عوامل حاسمة في تحديد اتجاه الأحداث. المنطقة لا تبدو مقبلة على حرب شاملة بالضرورة، لكنها بالتأكيد تعيش مرحلة ما قبل القرار الكبير.

الأيام المقبلة لن تكون عادية. كل تحرك، كل تصريح، وكل تسريب، قد يحمل في طياته إشارة إلى تغيير جذري في قواعد اللعبة. وبين التصعيد والتهدئة، تبقى الحقيقة الثابتة أن أي خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة تتجاوز حدود إيران لتطال الإقليم بأكمله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى